العالم أكثر هدوءاً دون ترامب…! أكرم عطا الله

العالم أكثر هدوءاً دون ترامب…! أكرم عطا الله

العالم أكثر هدوءاً دون ترامب…! أكرم عطا الله

حتى كتابة هذا المقال لم ينته فرز جميع الأوراق في الولايات الأميركية، وربما قبل نشره ستكون النتيجة قد أعلنت ويصبح جو بايدن الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية بعد أكثر انتخابات حظيت باهتمام العالم، حيث لم تشهد قبلها هذا القدر من المتابعة بالتفاصيل في كل ولاية.

وحين يعلن الدخان الأبيض سيسدل الستار على مرحلة من أسوأ مراحل التاريخ العالمي ليس فقط في الولايات المتحدة وحدها والتي كانت ستمثل إعادة انتخاب ترامب للرئاسة كارثة لا توصف كما قال المفكر نعوم تشومسكي بل في العالم.
يبدو أن الله لم يلتفت للحاخام «هلل هوروفيتش» الذي قاد مجموعة من المستوطنين يوم الثلاثاء الماضي صبيحة الانتخابات ليقيم صلواته بالقرب من الحرم الإبراهيمي في الخليل للدعاء لانتصار ترامب، ويبدو أنه لم يستجب للكثيرين من الذين كانوا ينتظرون إعادة انتخاب ترامب لكن يد الله هذه المرة كانت تحضر منذ بداية العام ما يكفي لإسقاطه حيث وباء «كورونا» الذي ضرب العصبين الاقتصادي والصحي للولايات المتحدة بدا فيها الرئيس حالة كاريكاتورية ومدعاة للسخرية.
سيكون ترامب من الرؤساء القلائل الذين لم يتم التجديد لهم لولاية ثانية على عكس التقليد الأميركي بإعطاء الرئيس ولايتين اثنتين، لكن هذا الرئيس الذي تصرف في العالم مثل فيل دخل دكانا من الخزف ليحطم كل شيء بدءا بمنظومة القيم الأميركية والتي تتجلى الآن في سلوكه في تقبل نتائج الانتخابات وعمليات الفرز مروراً بعلاقة الولايات المتحدة بأوروبا وكذلك التصعيد مع الصين والتي كان يمكن أن تذهب لحرب شرسة.
وأفضل وصف لمرحلة ترامب ما كتبه عاموس هرئيل في «هآرتس» بأن فترة ترامب «سلسلة من الانفجارات النووية» ويبدو الآن أن العالم سيكون أكثر هدوءا دون هذا الرجل الجامح.
كان ترامب سيأخذ العالم إلى مزيد من الفوضى لولا أن تدخل القدر ليحرك مقود التاريخ باتجاه آخر.
وإن كان كل المعادين للولايات المتحدة انتظروا فوز ترامب ليكمل تحطيم صورة أميركا لكنه كان سيحطم معها العالم فإذا كان قد تصرف بكل هذه الفوضى والبلطجة خلال ولايته الأولى فكيف كان سيتصرف في الولاية الثانية حين يكون متحرراً من أي قيود أو اعتبارات أخلاقية أو سياسية لانتخابات قادمة.
معظم العالم يرى ترامب كعنصري استفزازي كذاب متعال خطير لأميركا وللعالم، وحتى معظم مؤيديه لا ينكرون أنه تسبب بحالة استقطاب خطيرة وزيادة الكراهية والعنف طوال فترة ولايته وإن كان تسبب بكل هذا للجميع لكن الخاسر الأول لوجود ترامب هي الولايات المتحدة، فهو ساهم بزيادة انحسارها بعد أن انتخب على قاعدة «لجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» ولكنه حطّ من مستواها.
وكان بروز الصين بهذا التحدي الواثق ما يمس بصورة الولايات المتحدة التي تفردت بزعامة العالم لثلاثة عقود منذ انهيار الاتحاد السوفييتي انتهى هذا في عهد ترامب.
لقد حطم ترامب كل شيء كتاجر عقارات أسقط تجربته على السياسة في أسوأ عملية خلط وأكبر ضرب للمثل والقيم والأخلاق مجرداً السياسة من روحها ودم البشر وعواطفهم وآمالهم وأحلامهم، فقد عمل على تشيئتها بعيداً عن تقاليد وأعراف كلفت البشرية ملايين الضحايا، كما احتقر المؤسسة الأميركية وقاد البيت الأبيض بعائلته ومحامي شركته، ولكن حجم الكراهية والانهيار القيمي والأخلاقي الذي رافق الرجل لم يكن منفصلاً عن الروح البيضاء في الولايات المتحدة وهو ما كتبه الشاعر الأفروأميركي «جيمز بولتوين أن «الترامبية جزء من لحم أميركا» فالذي لسع الأميركيين هو الاقتصاد وليس فقط روح العبث الترامبية.
لقد قلب ترامب العالم رأساً على عقب، وجعل بكين تقف على أقدامها استعداداً للحرب، وكتاجر عقارات أحدث وقيعة بين دول الخليج وجعل صراعها جزءا من ثوابت المنطقة ليصبح مرجعيتهم كلهم كضعفاء متناحرين.
كما هجم على القضية الفلسطينية بشكل أكثر شراسة متبنياً برنامج نتنياهو واليمين المتطرف.
بل ذهب أبعد من ذلك، فعندما كان نتنياهو يتحضر للقاء ترامب الأول قبل أربع سنوات بعد فوز الأخير سأل مستشاريه عن مطالب إسرائيل من الرئيس الجديد الموالي لها أشاروا عليه بألا يطلب نقل السفارة أو الاعتراف بالقدس لأن القدس معهم.
كان لهم مطلبان الأول إيران ومحاصرتها والثاني إرغام الدول العربية على التطبيع مع إسرائيل وقد نفذ ترامب كل شيء وأعطى القدس هدية متفاخراً بأنه أكثر رئيس خدمة لإسرائيل.
ولكن يجب ألا يتكئ الفلسطينيون على نتائج الانتخابات وبايدن.
فبايدن كما يقول الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك: إن جو بايدن أبعد ما يكون مثالياً ولكنه أفضل من ترامب.
بايدن الذي يفتقر للكاريزما هو سليل الروح الأميركية البيضاء التي تعتبر اليهود جزءا منها سيلتزم بالوقائع التي فرضها ترامب في ولايته وخاصة فيما يتعلق بالسفارة، وإن كان سيرفع بعض القيود التي فرضها سلفه لكن لن يصل إلى الحد الذي وصل إليه رئيسه القوي باراك أوباما.
وهنا سيدخل الفلسطينيون في دائرة جديدة من تمديد الوقت، بايدن لن يعالج الجرح الفلسطيني ولكنه سيوقف النزيف الذي لم يتوقف في عهد ترامب.
وهذا مهم لهم ليلتقطوا أنفاسهم على الأقل فقد ترنحوا كثيراً تحت وقع الضربات المتلاحقة، وإذا أدرك الفلسطينيون أن مركز قوتهم ينبع من الوضع الداخلي وليس من الانتخابات الأميركية التي تقلب عليها ديمقراطيون وجمهوريون؟ صحيح ليس هناك أسوأ من ترامب ولكن جميعهم لم يوقف الاستيطان ولم يفرض على إسرائيل أي شيء، وفي عهودهم جميعاً تآكلت القضية وكان ترامب يرش ملحاً على الجرح ولكن الجرح أساسه فلسطيني وإلى حد ما عربي وهو ما يبدأه الفلسطينيون في رحلتهم الجديدة مع الرئيس الجديد أكثر ضعفا إلى حد ما من القوة العربية التي تآكلت.
فالعربي الذي فرط جزء منه بأوراقه نحو تل أبيب محاولاً مساعدة ترامب في الانتخابات بأي وسيلة، لكنه سقط …أما الوقائع التي حدثت فأصبحت جزءا من واقع وتاريخ المنطقة … وتلك رواية أخرى…!

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *